أخبار ليبيا 24 – انفوجرافيك
صورة عامة للإنفاق العام
كشفت أحدث البيانات الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي، والتي تغطي الفترة حتى نوفمبر 2025، عن صورة مالية معقدة. حيث تجاوز إجمالي الإنفاق الحكومي حاجز الـ 120 مليار دينار ليبي، مسجلاً اتساعاً ملحوظاً في نطاق الصرف عبر معظم القطاعات السيادية والخدمية. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي مرآة تعكس حجم الضغوط الهائلة الواقعة على المالية العامة للدولة. يأتي هذا في ظل بيئة سياسية تتميز باستمرار الانقسام وتعدد مراكز القرار والإنفاق (حكومة الوفاق الوطني في طرابلس والإدارة الموالية لمجلس النواب في الشرق)، مما يزيد من تعقيد إدارة الموارد ويُضعف من كفاءة تخصيصها ويُهدد الاستقرار المالي على المدى المتوسط.
الوزارات السيادية: عبء الالتزامات الجارية
تصدّرت وزارة المالية قائمة الجهات من حيث حجم الصرف، بإجمالي بلغ 25.37 مليار دينار. هذا الرقم الضخم لا يعكس فقط حجم الميزانية التشغيلية للوزارة، بل هو مؤشر رئيسي على ثقل الالتزامات العامة التي تتحملها الخزانة. يتضمن هذا الإنفاق بشكل أساسي: رواتب ومرتبات الموظفين العموميين في مختلف القطاعات، وبرامج الدعم المباشر وغير المباشر (كالدعم على الوقود والكهرباء والسلع الأساسية)، بالإضافة إلى نفقات التسيير اليومي لمؤسسات الدولة. يشير هذا التركيز إلى أن الجزء الأكبر من الإنفاق هو من النوع «الجاري» أو «التشغيلي»، وليس استثمارياً، مما يحد من قدرة الاقتصاد على توليد نمو مستقبلي.
وجاءت وزارة التربية والتعليم في المرتبة الثانية بإنفاق وصل إلى 19.61 مليار دينار. هذا الرقم يبرز أمرين: الأول هو الكلفة العالية لقطاع التعليم الأساسي الذي يعد من أكبر القطاعات من حيث عدد المستفيدين (الطلاب) والعاملين (المعلمون والإداريون). والثاني هو اتساع القاعدة الوظيفية لهذا القطاع، حيث يمثل رواتب العاملين فيه نسبة كبيرة من هذا المبلغ. بينما سجلت وزارة الشؤون الاجتماعية إنفاقاً قدره 14.94 مليار دينار، وهو رقم مدفوع بشكل أساسي ببرامج شبكة الأمان الاجتماعي، والتحويلات النقدية للأسر الفقيرة، ومعاشات الضمان الاجتماعي، مما يعكس الدور الذي تلعبه الدولة كداعم اجتماعي رئيسي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
في الجانب الأمني، بلغ إنفاق وزارة الداخلية نحو 5.05 مليارات دينار، ووزارة الدفاع قرابة 3.96 مليارات دينار. هذه الأرقام، رغم أهميتها لاستقرار البلاد، تطرح تساؤلات حول الكفاءة التشغيلية لهذه المؤسسات ومدى تكاملها في ظل الانقسام السياسي، وهل يتم إنفاق هذه المبالغ على توحيد وتحديث الأجهزة الأمنية والعسكرية أم على إدامة الوضع القائم المتعدد.

قطاعات خدمية واستثمارية
القطاعات الخدمية والبنية التحتية: تمويل متفاوت وتحديات متراكمة
في القطاعات الخدمية الحيوية، تظهر البيانات تبايناً في حجم التمويل. فبلغ إنفاق وزارة الصحة حوالي 4.24 مليارات دينار، وهو مبلغ قد يبدو كبيراً لكنه غالباً ما يكون غير كافٍ لتغطية احتياجات نظام صحي يعاني من نقص حاد في المستلزمات والكوادر المؤهلة وتدهور البنية التحتية منذ سنوات. بالمقابل، بلغ إنفاق وزارة التعليم العالي 4.63 مليارات دينار، ووزارة التعليم التقني 1.45 مليار دينار، مما يشير إلى محاولة الحفاظ على استمرارية التعليم ما بعد الثانوي.
أما إنفاق وزارات المواصلات (2.36 مليار دينار) والإسكان والتعمير (1.12 مليار دينار) والموارد المائية (1.09 مليار دينار)، فيعكس استمرار تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، ولكن بدرجات متفاوتة وبوتيرة غالباً ما تكون أقل من المطلوب لإعادة تأهيل ما تم تدميره أو لإقامة مشاريع تنموية جديدة. هذا النمط من الإنفاق «التصحيحي» أو «التسييري» على البنية التحتية يقلل من فعاليته التنموية.
الهيئات والمؤسسات العامة
الهيئات والشركات العامة: العبء المستمر على الخزانة
أظهرت البيانات إنفاقاً ملحوظاً للهيئات التابعة للسلطة التنفيذية، حيث بلغت مصروفات الجهات التابعة لمجلس الوزراء نحو 3.78 مليارات دينار. الأكثر لفتاً للانتباه هو إنفاق الشركة العامة للكهرباء الذي بلغ 3.59 مليارات دينار. هذا الرقم هو تجسيد صارخ لمعضلة الدعم وعدم الكفاءة. فجزء كبير من هذا المبلغ يذهب لتغطية فاتورة الوقود المدعوم لتشغيل المحطات، ولتعويض الخسائر الهائلة الناتجة عن انهيار الشبكة وعدم تحصيل فواتير المستهلكين، مما يجعل قطاع الطاقة عبئاً مستمراً ومتصاعداً على الخزانة العامة بدلاً من أن يكون مصدراً للإيرادات.
سلطات تشريعية وتنفيذية
المؤسسات التشريعية والسياسية: تكلفة الانقسام
تعكس أرقام الإنفاق للمؤسسات السياسية تكلفة الانقسام المؤسسي. فسجل مجلس النواب إنفاقاً قدره 74.7 مليون دينار، مقابل 926.7 مليون دينار للجهات التابعة له. بينما بلغ إنفاق المجلس الأعلى للدولة 44.5 مليون دينار، والمجلس الرئاسي 48.6 مليون دينار، إضافة إلى 604 ملايين دينار للجهات التابعة له. هذه الأرقام مجتمعة تُظهر وجود هياكل موازية ومتعددة تمول من المال العام، مما يزيد من حدة إشكالية تضخم الجهاز الإداري وهدر الموارد في تكرار المهام والصلاحيات.
دلالات اقتصادية
الخلاصة والتوقعات: نحو إنفاق أكثر إنتاجية
تعكس مؤشرات الإنفاق حتى نوفمبر 2025 اتجاهاً عاماً يهيمن عليه الإنفاق الجاري والتسييري، بهدف إدامة عمل الدولة والوفاء بالالتزامات الاجتماعية والرواتب. في المقابل، يبدو حضور الإنفاق الاستثماري أو التنموي المنتج (مشاريع البنية التحتية الكبرى، تنمية القطاع الخاص غير النفطي، البحث العلمي) ضعيفاً نسبياً ضمن هذه الأرقام الإجمالية.
لتحسين الاستدامة المالية، يرى المحللون أن الطريق الأمثل يتطلب إجراءات متكاملة:
1. ضبط أولويات الصرف: من خلال مراجعة شاملة لبنود الدعم وترشيدها، وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات المُولدة للنمو والوظائف.
2. تعزيز الشفافية والمساءلة: بنشر بيانات إنفاق تفصيلية ودورية لكل جهة، مما يسمح للمجتمع المدني والإعلام بمراقبة الأداء.
3. ربط الإنفاق بالإصلاحات الهيكلية: فلا معنى لضخ أموال إضافية في شركة الكهرباء دون إصلاح شامل لنظام التشغيل والتحصيل، ولا فائدة من زيادة ميزانية التعليم دون إصلاح المناهج وتحسين جودة المخرجات.
4. توحيد الميزانية والإنفاق: كحل جذري، يبقى التوصل إلى اتفاق سياسي يسمح بوضع ميزانية موحدة وإطار إنفاق موحد على مستوى البلاد هو التحدي الأكبر والأكثر إلحاحاً لوقف هدر الموارد وبناء مستقبل مالي مستقر.
باختصار، تقول الأرقام إن الدولة تنفق لتبقى قائمة، وليس بالضرورة لتنمو وتتطور. والتحول نحو النموذج الثاني هو التحدي الحقيقي الذي يواجه صناع القرار في ليبيا.
تم النسخ


